محمود ريا
04-22-2011, 10:40 AM
http://www.assafir.com/Photos/Photos22-04-2011/78604W32438.jpg
الاعتقال أن تتعلم الغناء في مواجهة جدار أصم
صحيفة السفير اللبنانية
فادي العبد الله
حين تكتب كوزيت ابراهيم «أحلم بزنزانة من كرز» فإن كتابتها ليست سرداً لحكايتها، مثلما أنها ليست تدويناً لرواية سهى بشارة. الكتاب هذا إحياء وتفعيل لمعاناة اختبرتاها في المعتقل عينه، لذا، هذا الثنائي يتجاوز الحكاية الفردية ليصل إلى العمق المشترك لكل تجربة اعتقال في هذا المعتقل، وربما في كل معتقل. إنها كتابة شعر الحياة حتى في المعتقل، مفاجأة الحياة اولاً، ومفاجأة الاستمرار بها إثر توقع الموت المحتوم، ومن ثم مفاجأة البحث عن المتعة والتواصل رغم حياة الاعتقال وربما أيضاً البحث عن الرغبة، لولا أنها تخلص دوماً إلى شقاق النفس وانقسامها على نفسها.
ولكنه ضحك كالبكا
بعد تدمير معتقل الخيام في حرب 2006، بدا الكتاب لهما ضرورة لملء فراغ الذاكرة. أي انه كان محاولة لسبر معنى المعتقل، أو منح الحياة فيه معنىً ما، بدلاً من تحويله نصباً للوحشية فحسب. كان تدميره إذاً ضرورياً لتحويله، عبر الكتاب، موئلاً لحياة أكثر توتراً، حيث للحلم حضور ملموس، كما للألم. هكذا عبر الكتاب، يبدو المعتقل مكاناً لحياة تعاش إلى مداها الأقصى، مثلما يقال أحياناً عن الحياة البيروتية! في الحالين، نتساءل عن الثمن الضروري لإمكان مثل هذا العيش، وعن ضرورة مثله؟
هذا المعنى ـ شعر مقاوم حقيقي، بعيد تماماً عن الشعارات التي أسماها البعض طويلاً شعراً ـ يولد شعراً بالضرورة المحتومة، إذ وحده الشعر يلمع في حياة متوترة ويبقى إثرها، ووحده الشعر يتناثر شذرات في أقصى الحلم أو أقصى الألم أو أقصى العيش أو أقصى الغفلة والوحدة. يولد هذا الشعر كتابةً من شحن النثر إلى آخر طاقته واحتماله: على خلفية نثر الحياة الخانقة في المعتقل يغدو لهذه الشذرات توتر هائل وطاقة تتفجر صوراً مفاجئة. مثال ـ من بين أمثلة كثر ـ على ذلك: مشهد التعذيب والمهانة الطويلين ضروري كي يبزغ للأطراف لون أزرق، لون الألم والكدمات والجسد المتورم بكل تأكيد، ولكنه أيضاً لون السماء، القبة العليا التي يحدق بها الأطفال. من هذا التراكب المتماسك، في سياق نص متين البنيان، تستطيع كوزيت إبراهيم أن تكتب «تجمع نفسك، تلملم أطرافك الزرقاء، وفي لحظة ما تسعى إلى ملامسة أعلى ما في قمة النفس، محاولاً التقاط بقايا طفولة بعيدة».
إلا أن هذا الكتاب، دون أن يهوّن من قسوة الاعتقال ووحشية التعامل مع المعتقلين والمعتقلات، ينبض على وقع إيقاعٍ جذلٍ ـ أم أنه رقص الألم؟ ـ من الضحكات، ولكنه ضحك كالبكا. هكذا يتم سرد تفضيل كتب «السيدة الجليلة بربارة كارتلند» الوردية العاطفية على روايات أغاتا كريستي البوليسية الآسرة، سرداً مفصلاً، مثلما يروى زجر الوالدة للوالد، في مشهد من مشاهد الحياة الزوجية النموذجية في الأفلام الكوميدية، إبان أول زيارة للابنة المعتقلة: «قائلة تكلم إليها، أأتيت إلى هنا لتصمت؟».
رغم كل الألم، يلوح الحزن مفردة نادرة في هذا الكتاب. قد تكون الوحشة شعوراً موصوفاً بين ثناياه، أو ربما يُتم الحلم حين لا يُستَشرف له أفق، أما الحزن فلا، إلا ما ندر. هكذا تدعو واحدة للأخرى: «ليكن لديك سرير بملاءات غالية»، أو تحلم بأن يكون لها من تقول له «تصبح على خير» وحين يتحقق ذلك، وتخرج من زنزانتها الانفرادية تجد أن «سمر غفت وتركتني أتكلم وحدي». يظل إيقاع العيش في المعتقل سارياً رغم ذلك، وتظل «كلمات السر تتتماشى مع بورصة أغاني النجوم الصاعدة».
خبرة الاعتقال الكاشفة
يتساءل المرء إن كانت كوزيت إبراهيم تكره المعتقل وقصص المعتقلين، على ما ذكرت، فلماذا إعادة تصويره بالكلمات، بعد أن استحال ركاماً؟ ثم لمَ كانت سهى بشارة، التي سبق لها أن أصدرت مذكراتها، موافقة على ما تكتبه غيرها؟ أغلب الظن أنهما معاً تحاولان رسم خبرة الاعتقال (أو بتعبير إبراهيم «أمور يجب ألا ننساها»)، لا المعتقل في ذاته، أي إيصال لمحات مما هو العيش العادي في معتقل، ومثلما يحصل للجميع فيه. فعن الشعارات والعبارات التي تطرّزها المعتقلات فإننا لا نكاد نعرف إلا أنها «من ذلك النوع الذي يطرزه كل أسرى العالم على اختلاف قضاياهم، ودون أن يعلم بعضهم بوجود بعضهم الآخر»، وكذلك شأن نوى الزيتون التي تُعقد منها المسابح: «كما سيفعل أي معتقل في أي مكان في العالم يجد نوى الزيتون. لا بد سيثقبها». حتى الحزن، وقد ذكرنا ندرته، لا يرد إلا في خبرة تتجرد عن الفردانية لتحمل في طياتها كوناً كاملاً: «نسترق النظر إلى ذلك الوجه البعيد المظلل بضوء ضعيف لكن كافٍ لينقل لنا كل حزن الأرض وشقائها».
مثال آخر على لافردانية الحكاية، هل كانت زيارة الأب بعد ثماني سنوات على الاعتقال (ص121) أم بعد تسع سنوات (ص124)، كما تكتب إبراهيم، وهل من أهمية لمثل هذا التفصيل؟ الأرجح أن لا، فوراء سرد الابتكارات التي يعيد المعتقلون ابتكارها في كل معتقل (الابتكار في ثقب الإبر وعقد المسابح واختراع كلمات السر وتحضير الأقلام من أغلفة أقراص الجبنة)، وراء كل ذلك فإن هنالك إصراراً بالغاً على العثور على اعتيادية ما في الأيام، وعلى رفض المفاجآت (نص «ويعود يومك عادياً»)، فقد تكون الاعتيادية هي أمان المعتقلين.
في حكاية غير فردية إذاً، يجد القارئ في الكتاب (وهو حادّ في ريفيته، تغيب عنه المدينة بالكامل) خبرة المعتقل شعريةً متجردة من النرجسية حين يصير في وسع المرء أن يرى الكرز أنيقاً في زنزانة، أو أن يتذكر موسم الفطر ومعقود التين الذي تحضره الجدة في أوان معلوم، أو أن يلوح أمام عينيه لون الفستان الليلكي للأم التي عبث الوليد بهدوء أيامها وبأحلامها الصغيرة في موسم الزيتون!
فكأن ما يحيل العيش ممكناً هو حضور الألوان، وحضور الطبيعة والفصول! حتى الموت نفسه يصبح ظلمة بين سماء زرقاء وأشجار خضر. أما الحرية فهي وقوف على الشرفة أو سير في بساتين لا تنتهي! حتى إذا ما عُثر على قلم حبر، «تعود إلى الحروف. أستدرج بها العالم كله. بحر. شجر. بيت...مطر». بحر، شجر، بيت، مطر، هذا هو العالم! لا كما يراه المعتقل، بل كما تكشفه للإنسان تجربة الاعتقال.
أما ما تكشفه تجربة الاعتقال عن السجن نفسه، فهو أنه، أي مكان الاحتجاز، يقيم من يسكنونه كَرَهاً على حدي التواصل والغفلة. فعالم لاعتقال مفعم وطافح بشفرات التواصل (الأغاني، الكحة، الحديث الهامس، مخابئ الأغراض، مجموعة الإشاربات المربوطة التي تنتقل من شباك إلى آخر، قسطرة المجلى المُتَّخَذة هاتفاً.. الخ)! بل إن بعض التواصل يتخطى الشفرة ليصبح عضوياً بالكامل ويتنازل عن وسائل الاتصال نفسها! بعد زيارة الأهل مثلاً «جسدي يزداد تكوراً في الفراش والحفرة التي يحدثها فيه، نزداد صغراً والعالم يزداد تقلصاً ويغدو بحجم تلك الحفرة» أو خلال الزيارة «شعرت بتلك النقطة في حنجرتها وهي تتمزق، وأدركت كم أشبهها».
كما أن الاتصال قد يكون مؤلماً، فإن الغفلة، غفلة الآخرين عن المرء، قد تكون أيضاً الألم الأقصى، بل حتى قد تكون الحزن مقيماً. هكذا، في معنى ما، الخاتمة تقول إن مغزى المعتقل هو ألا يراك الآخرون. فمن نافذة ضيقة، كانت المعتقلات ترين «امرأة تنشر ملاءات وشراشف وتنظر في كل الاتجاهات إلا باتجاه نافذتنا» ولذا بالضبط «الهواء عند تلك النافذة كان ثقيلاً، يحرّك حزننا، يمطّه، يقلّبه، لكنه لا يحمله أبداً».
غناء الرغبة والشقاق
«لم يكن يحدث الأمر كما تتصورون»، إلى أي أمر تشير الكاتبة؟ إلى الرغبة بالطبع، فعن الشباب، ولحظات سحر من تقارب خفيف معهم لا يتجاوز كلمة «كيفك»، تكتب كوزيت ابراهيم أنهم «كانوا يغنون في المساءات، وأحياناً كان الهواء يحمل صوتهم فننظر إلى الخارج من شباكنا الصغير ونرى نجمة ترتجف». هذه الرغبة المرتجفة المبتدئة لا تتجسد بإزاء شخص محدد، إذ «لا أحد يعرف اسم الآخر ولا حكايته، ولا وجد وقتاً ليتأكد من لون العيون». غير أن الغناء ها هنا ليس مجرد شفرة تواصل. أهميته يستمدها من طبيعته نفسها، إذ هو منح الرغبة صوتاً ونفساً، مدّها ليلاً منبسطاً. بيد أن الغناء أيضاً شقاق النفس وانقسامها، وهل يخلو غناء من مناجاة النفس، أو من توجيه الخطاب إلى القلب زجراً ونهياً واستعطافاً ومؤاساةً؟
بحدسٍ حاذق وصائب، تعثر كوزيت إبراهيم أيضاً على تعبيرات أخرى عن هذا الشقاق، وإلا فكيف نفسر تلك الانتقالات المتتالية، والتي لا ينظمها جامع صريح بل هي، على ما قال أحد النقاد في مشاهد أفلام برغمان، «تنظمها صلات الانفعال»؟ الانتقالات تترى من ضمير المتكلم إلى المخاطب، والغائب أحياناً، وكذلك الانتقالات في أزمة الأفعال ما بين ماضي الراوي وحاضر الحكاية (حتى لتجرؤ على القول «اليوم لدي فراش وغطاء، وأنظم شعراً رديئاً مليئاً بالعنفوان، وأغني إلى أن يجف ريقي». أي يومٍ هو هذا؟). ما بين الأزمنة وبين الأشخاص الذين تحيل عليهم الضمائر، يولد ثالث لم يكن أحد الاثنتين، ولم يكن أحداً، هو من يحيا الاعتقال ويختبر الألم ويبتكر شعائره. قد يولد خارجهما كما قد يولد داخلهما، في اكتمال الشقاق، فالرجل الكحلي الذي رأته سهى أمامها، ثم رأته في داخلها يقول لها: «أعلم، لا داعي للشرح، اصمدي» إنما هو شقاق النفس المنقسمة ضرورة، كما حيث تقول آنا اخماتوفا: «لا، لست أنا من يتألم بالتأكيد، مثل هذا الألم كان فوق طاقتي واحتمالي».
وقد تكون الذكريات محاولة لجمع النفس، إلا أن المرء أحياناً «لا يجد ما يتذكره»، رغم أن العيش حاجة إلى تجديد الذكريات، لذا ربما كانت محاولة مشاطرة الذكريات هذه بين معتقلتين (على الأقل، قد نضيف). إلا أنها، بدلالة حضور الغناء فيها ودلالة تلك الانتقالات الزمنية والضمائرية، محاولة تعيد إحياء ذاك الشقاق الذي قد يكون بالضبط الجدار الذي يجد كل امرئ نفسه أمامه، في أحايين الغرام كما أيام الأسر أو كما اكتشاف الإرادة في لحظة عجزها على ما تذكر أرندت. ولذا كان في هذا الكتاب الأنيق، لغةً وإخراجاً ولوناً وصوراً، «قصة معتقل الخيام وقصة كل من مر به ليلة فراح وهو يحملق في الجدار، يتعلم الغناء...»
الاعتقال أن تتعلم الغناء في مواجهة جدار أصم
صحيفة السفير اللبنانية
فادي العبد الله
حين تكتب كوزيت ابراهيم «أحلم بزنزانة من كرز» فإن كتابتها ليست سرداً لحكايتها، مثلما أنها ليست تدويناً لرواية سهى بشارة. الكتاب هذا إحياء وتفعيل لمعاناة اختبرتاها في المعتقل عينه، لذا، هذا الثنائي يتجاوز الحكاية الفردية ليصل إلى العمق المشترك لكل تجربة اعتقال في هذا المعتقل، وربما في كل معتقل. إنها كتابة شعر الحياة حتى في المعتقل، مفاجأة الحياة اولاً، ومفاجأة الاستمرار بها إثر توقع الموت المحتوم، ومن ثم مفاجأة البحث عن المتعة والتواصل رغم حياة الاعتقال وربما أيضاً البحث عن الرغبة، لولا أنها تخلص دوماً إلى شقاق النفس وانقسامها على نفسها.
ولكنه ضحك كالبكا
بعد تدمير معتقل الخيام في حرب 2006، بدا الكتاب لهما ضرورة لملء فراغ الذاكرة. أي انه كان محاولة لسبر معنى المعتقل، أو منح الحياة فيه معنىً ما، بدلاً من تحويله نصباً للوحشية فحسب. كان تدميره إذاً ضرورياً لتحويله، عبر الكتاب، موئلاً لحياة أكثر توتراً، حيث للحلم حضور ملموس، كما للألم. هكذا عبر الكتاب، يبدو المعتقل مكاناً لحياة تعاش إلى مداها الأقصى، مثلما يقال أحياناً عن الحياة البيروتية! في الحالين، نتساءل عن الثمن الضروري لإمكان مثل هذا العيش، وعن ضرورة مثله؟
هذا المعنى ـ شعر مقاوم حقيقي، بعيد تماماً عن الشعارات التي أسماها البعض طويلاً شعراً ـ يولد شعراً بالضرورة المحتومة، إذ وحده الشعر يلمع في حياة متوترة ويبقى إثرها، ووحده الشعر يتناثر شذرات في أقصى الحلم أو أقصى الألم أو أقصى العيش أو أقصى الغفلة والوحدة. يولد هذا الشعر كتابةً من شحن النثر إلى آخر طاقته واحتماله: على خلفية نثر الحياة الخانقة في المعتقل يغدو لهذه الشذرات توتر هائل وطاقة تتفجر صوراً مفاجئة. مثال ـ من بين أمثلة كثر ـ على ذلك: مشهد التعذيب والمهانة الطويلين ضروري كي يبزغ للأطراف لون أزرق، لون الألم والكدمات والجسد المتورم بكل تأكيد، ولكنه أيضاً لون السماء، القبة العليا التي يحدق بها الأطفال. من هذا التراكب المتماسك، في سياق نص متين البنيان، تستطيع كوزيت إبراهيم أن تكتب «تجمع نفسك، تلملم أطرافك الزرقاء، وفي لحظة ما تسعى إلى ملامسة أعلى ما في قمة النفس، محاولاً التقاط بقايا طفولة بعيدة».
إلا أن هذا الكتاب، دون أن يهوّن من قسوة الاعتقال ووحشية التعامل مع المعتقلين والمعتقلات، ينبض على وقع إيقاعٍ جذلٍ ـ أم أنه رقص الألم؟ ـ من الضحكات، ولكنه ضحك كالبكا. هكذا يتم سرد تفضيل كتب «السيدة الجليلة بربارة كارتلند» الوردية العاطفية على روايات أغاتا كريستي البوليسية الآسرة، سرداً مفصلاً، مثلما يروى زجر الوالدة للوالد، في مشهد من مشاهد الحياة الزوجية النموذجية في الأفلام الكوميدية، إبان أول زيارة للابنة المعتقلة: «قائلة تكلم إليها، أأتيت إلى هنا لتصمت؟».
رغم كل الألم، يلوح الحزن مفردة نادرة في هذا الكتاب. قد تكون الوحشة شعوراً موصوفاً بين ثناياه، أو ربما يُتم الحلم حين لا يُستَشرف له أفق، أما الحزن فلا، إلا ما ندر. هكذا تدعو واحدة للأخرى: «ليكن لديك سرير بملاءات غالية»، أو تحلم بأن يكون لها من تقول له «تصبح على خير» وحين يتحقق ذلك، وتخرج من زنزانتها الانفرادية تجد أن «سمر غفت وتركتني أتكلم وحدي». يظل إيقاع العيش في المعتقل سارياً رغم ذلك، وتظل «كلمات السر تتتماشى مع بورصة أغاني النجوم الصاعدة».
خبرة الاعتقال الكاشفة
يتساءل المرء إن كانت كوزيت إبراهيم تكره المعتقل وقصص المعتقلين، على ما ذكرت، فلماذا إعادة تصويره بالكلمات، بعد أن استحال ركاماً؟ ثم لمَ كانت سهى بشارة، التي سبق لها أن أصدرت مذكراتها، موافقة على ما تكتبه غيرها؟ أغلب الظن أنهما معاً تحاولان رسم خبرة الاعتقال (أو بتعبير إبراهيم «أمور يجب ألا ننساها»)، لا المعتقل في ذاته، أي إيصال لمحات مما هو العيش العادي في معتقل، ومثلما يحصل للجميع فيه. فعن الشعارات والعبارات التي تطرّزها المعتقلات فإننا لا نكاد نعرف إلا أنها «من ذلك النوع الذي يطرزه كل أسرى العالم على اختلاف قضاياهم، ودون أن يعلم بعضهم بوجود بعضهم الآخر»، وكذلك شأن نوى الزيتون التي تُعقد منها المسابح: «كما سيفعل أي معتقل في أي مكان في العالم يجد نوى الزيتون. لا بد سيثقبها». حتى الحزن، وقد ذكرنا ندرته، لا يرد إلا في خبرة تتجرد عن الفردانية لتحمل في طياتها كوناً كاملاً: «نسترق النظر إلى ذلك الوجه البعيد المظلل بضوء ضعيف لكن كافٍ لينقل لنا كل حزن الأرض وشقائها».
مثال آخر على لافردانية الحكاية، هل كانت زيارة الأب بعد ثماني سنوات على الاعتقال (ص121) أم بعد تسع سنوات (ص124)، كما تكتب إبراهيم، وهل من أهمية لمثل هذا التفصيل؟ الأرجح أن لا، فوراء سرد الابتكارات التي يعيد المعتقلون ابتكارها في كل معتقل (الابتكار في ثقب الإبر وعقد المسابح واختراع كلمات السر وتحضير الأقلام من أغلفة أقراص الجبنة)، وراء كل ذلك فإن هنالك إصراراً بالغاً على العثور على اعتيادية ما في الأيام، وعلى رفض المفاجآت (نص «ويعود يومك عادياً»)، فقد تكون الاعتيادية هي أمان المعتقلين.
في حكاية غير فردية إذاً، يجد القارئ في الكتاب (وهو حادّ في ريفيته، تغيب عنه المدينة بالكامل) خبرة المعتقل شعريةً متجردة من النرجسية حين يصير في وسع المرء أن يرى الكرز أنيقاً في زنزانة، أو أن يتذكر موسم الفطر ومعقود التين الذي تحضره الجدة في أوان معلوم، أو أن يلوح أمام عينيه لون الفستان الليلكي للأم التي عبث الوليد بهدوء أيامها وبأحلامها الصغيرة في موسم الزيتون!
فكأن ما يحيل العيش ممكناً هو حضور الألوان، وحضور الطبيعة والفصول! حتى الموت نفسه يصبح ظلمة بين سماء زرقاء وأشجار خضر. أما الحرية فهي وقوف على الشرفة أو سير في بساتين لا تنتهي! حتى إذا ما عُثر على قلم حبر، «تعود إلى الحروف. أستدرج بها العالم كله. بحر. شجر. بيت...مطر». بحر، شجر، بيت، مطر، هذا هو العالم! لا كما يراه المعتقل، بل كما تكشفه للإنسان تجربة الاعتقال.
أما ما تكشفه تجربة الاعتقال عن السجن نفسه، فهو أنه، أي مكان الاحتجاز، يقيم من يسكنونه كَرَهاً على حدي التواصل والغفلة. فعالم لاعتقال مفعم وطافح بشفرات التواصل (الأغاني، الكحة، الحديث الهامس، مخابئ الأغراض، مجموعة الإشاربات المربوطة التي تنتقل من شباك إلى آخر، قسطرة المجلى المُتَّخَذة هاتفاً.. الخ)! بل إن بعض التواصل يتخطى الشفرة ليصبح عضوياً بالكامل ويتنازل عن وسائل الاتصال نفسها! بعد زيارة الأهل مثلاً «جسدي يزداد تكوراً في الفراش والحفرة التي يحدثها فيه، نزداد صغراً والعالم يزداد تقلصاً ويغدو بحجم تلك الحفرة» أو خلال الزيارة «شعرت بتلك النقطة في حنجرتها وهي تتمزق، وأدركت كم أشبهها».
كما أن الاتصال قد يكون مؤلماً، فإن الغفلة، غفلة الآخرين عن المرء، قد تكون أيضاً الألم الأقصى، بل حتى قد تكون الحزن مقيماً. هكذا، في معنى ما، الخاتمة تقول إن مغزى المعتقل هو ألا يراك الآخرون. فمن نافذة ضيقة، كانت المعتقلات ترين «امرأة تنشر ملاءات وشراشف وتنظر في كل الاتجاهات إلا باتجاه نافذتنا» ولذا بالضبط «الهواء عند تلك النافذة كان ثقيلاً، يحرّك حزننا، يمطّه، يقلّبه، لكنه لا يحمله أبداً».
غناء الرغبة والشقاق
«لم يكن يحدث الأمر كما تتصورون»، إلى أي أمر تشير الكاتبة؟ إلى الرغبة بالطبع، فعن الشباب، ولحظات سحر من تقارب خفيف معهم لا يتجاوز كلمة «كيفك»، تكتب كوزيت ابراهيم أنهم «كانوا يغنون في المساءات، وأحياناً كان الهواء يحمل صوتهم فننظر إلى الخارج من شباكنا الصغير ونرى نجمة ترتجف». هذه الرغبة المرتجفة المبتدئة لا تتجسد بإزاء شخص محدد، إذ «لا أحد يعرف اسم الآخر ولا حكايته، ولا وجد وقتاً ليتأكد من لون العيون». غير أن الغناء ها هنا ليس مجرد شفرة تواصل. أهميته يستمدها من طبيعته نفسها، إذ هو منح الرغبة صوتاً ونفساً، مدّها ليلاً منبسطاً. بيد أن الغناء أيضاً شقاق النفس وانقسامها، وهل يخلو غناء من مناجاة النفس، أو من توجيه الخطاب إلى القلب زجراً ونهياً واستعطافاً ومؤاساةً؟
بحدسٍ حاذق وصائب، تعثر كوزيت إبراهيم أيضاً على تعبيرات أخرى عن هذا الشقاق، وإلا فكيف نفسر تلك الانتقالات المتتالية، والتي لا ينظمها جامع صريح بل هي، على ما قال أحد النقاد في مشاهد أفلام برغمان، «تنظمها صلات الانفعال»؟ الانتقالات تترى من ضمير المتكلم إلى المخاطب، والغائب أحياناً، وكذلك الانتقالات في أزمة الأفعال ما بين ماضي الراوي وحاضر الحكاية (حتى لتجرؤ على القول «اليوم لدي فراش وغطاء، وأنظم شعراً رديئاً مليئاً بالعنفوان، وأغني إلى أن يجف ريقي». أي يومٍ هو هذا؟). ما بين الأزمنة وبين الأشخاص الذين تحيل عليهم الضمائر، يولد ثالث لم يكن أحد الاثنتين، ولم يكن أحداً، هو من يحيا الاعتقال ويختبر الألم ويبتكر شعائره. قد يولد خارجهما كما قد يولد داخلهما، في اكتمال الشقاق، فالرجل الكحلي الذي رأته سهى أمامها، ثم رأته في داخلها يقول لها: «أعلم، لا داعي للشرح، اصمدي» إنما هو شقاق النفس المنقسمة ضرورة، كما حيث تقول آنا اخماتوفا: «لا، لست أنا من يتألم بالتأكيد، مثل هذا الألم كان فوق طاقتي واحتمالي».
وقد تكون الذكريات محاولة لجمع النفس، إلا أن المرء أحياناً «لا يجد ما يتذكره»، رغم أن العيش حاجة إلى تجديد الذكريات، لذا ربما كانت محاولة مشاطرة الذكريات هذه بين معتقلتين (على الأقل، قد نضيف). إلا أنها، بدلالة حضور الغناء فيها ودلالة تلك الانتقالات الزمنية والضمائرية، محاولة تعيد إحياء ذاك الشقاق الذي قد يكون بالضبط الجدار الذي يجد كل امرئ نفسه أمامه، في أحايين الغرام كما أيام الأسر أو كما اكتشاف الإرادة في لحظة عجزها على ما تذكر أرندت. ولذا كان في هذا الكتاب الأنيق، لغةً وإخراجاً ولوناً وصوراً، «قصة معتقل الخيام وقصة كل من مر به ليلة فراح وهو يحملق في الجدار، يتعلم الغناء...»